الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
32
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هذا مثال لتقلب المشركين بين إشراكهم مع اللّه غيره في العبادة ، وبين إظهار احتياجهم إليه ، فذلك عنوان على مبلغ كفرهم وأقصاه . والجملة معطوفة على جملة ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ [ الزمر : 6 ] الآية لاشتراك الجملتين في الدلالة على أن اللّه منفرد بالتصرف مستوجب للشكر ، وعلى أن الكفر به قبيح ، وتتضمن الاستدلال على وحدانية إلهية بدليل من أحوال المشركين به فإنهم إذا مسهم الضر لجئوا إليه وحده ، وإذا أصابتهم نعمة أعرضوا عن شكره وجعلوا له شركاء . فالتعريف في الْإِنْسانَ تعريف الجنس ولكن عمومه هنا عموم عرفي لفريق من الإنسان وهم أهل الشرك خاصة لأن قوله : وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لا يتفق مع حال المؤمنين . والقول بأن المراد : انسان معيّن وأنه عتبة بن ربيعة ، أو أبو جهل ، خروج عن مهيع الكلام ، وإنما هذان وأمثالهما من جملة هذا الجنس . وذكر الإنسان إظهار في مقام الإضمار لأن المقصود به المخاطبون بقوله : خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ إلى قوله : فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الزمر : 6 ، 7 ] ، فكان مقتضى الظاهر أن يقال : وإذا مسكم الضر دعوتم ربكم إلخ ، فعدل إلى الإظهار لما في معنى الإنسان من مراعاة ما في الإنسانية من التقلب والاضطراب إلا من عصمه اللّه بالتوفيق كقوله تعالى : وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [ مريم : 66 ] ، وقوله : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ [ القيامة : 3 ] وغير ذلك ولأن في اسم الإنسان مناسبة مع النسيان الآتي في قوله : نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ . وتقدم نظير لهذه الآية في قوله : وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ في سورة الروم [ 33 ] . والتخويل : الإعطاء والتمليك دون قصد عوض . وعينه واو لا محالة . وهو مشتق من الخول بفتحتين وهو اسم للعبيد والخدم ، ولا التفات إلى فعل خال بمعنى : افتخر ، فتلك مادة أخرى غير ما اشتق منه فعل خوّل . والنسيان : ذهول الحافظة عن الأمر المعلوم سابقا . وما صدق ما في قوله : ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ هو الضر ، أي نسي الضر الذي كان يدعو اللّه إليه ، أي إلى كشفه عنه ، ومفعول يَدْعُوا محذوف دل عليه قوله : دَعا رَبَّهُ ، وضمير إِلَيْهِ عائد إلى ما ، أي نسي الضر الذي كان يدعو اللّه إليه ، أي إلى كشفه . ويجوز أن يكون ما صادقا على الدعاء كما تدل عليه الصلة ويكون الضمير المجرور ب ( إلى ) عائدا إلى رَبَّهُ ، أي نسي الدعاء ، وضمّن الدعاء معنى الابتهال